السبت 07 ربيع الثاني 1440 الموافق 15 ديسمبر 2018
الرئيسية » مقالات » الدكتور ظريف حسين| يكتب: لماذا يكره الله السحر؟

الدكتور ظريف حسين| يكتب: لماذا يكره الله السحر؟

الدكتور ظريف حسين

الدكتور ظريف حسين

من المؤكد أن الآثار الاجتماعية ليست هي الضليعة الوحيدة في هذه الكراهية، فالموضوع يتعلق بماهية السحر نفسه من حيث هو فعل قائم علي الإيمان الذي لا يتزعزع بالقدرة الشخصية علي التأثير في الواقع و تغييره بناء علي رغبة صاحب المصلحة وهذا الإيمان و هذه الرغبة هما كل ما يملكه الساحر و صاحب المصلحة.

وبذلك يكون السحر خصيما للعقل الذي يحكم الأشياء بمنطق السبب و النتيجة،أي بناء علي علاقة حقيقية بينهما، فالتسخين مثلا سبب من أسباب تمدد الحديد، فالنتيجة من طبيعة المقدمات نفسها، وهي علاقة ضرورية، ويمكن تكرار هذه النتيجة بالطريقة نفسها إلي ما لا نهاية.

و بذلك يكون السحر سلوكا خفيا و من هنا جاء اسمه بلغة العرب و هو محاولة للقفز علي النتائج بمجرد الرغبة فيها و يتوسل إلي ذلك بجميع وسائل الغموض الذي يتناسب مع سرية الفعل نفسه.

و يعتقد بعض العلماء أن السحر يعد أول أطوار تكوين العقل الإنساني ،و قد صدر عنه الدين،ثم جاء العلم بمناهجه المناسبة لموضوعاتها، ليقضي علي الاثنين قضاء مبرما .

فأما حجتهم في ذلك فتتأسس علي التشابه بين السحر و الدين إلي درجة التوحيد بينهما أو علي الأقل الخلط بينهما :

١- وحدة الأصل :فقد نشآ من الخوف الذي هو سبب القداسة التي هي موضوع الدين.

٢- وحدة الهدف:أي الخلاص من الشرور و الآلام.

٣- وحدة الوسيلة: فكلاهما يستخدم الإله أو الأرواح للخلاص،و من هنا نشأ ادعاء القدرة علي تحضير الأرواح.

٤- وحدة الواسطة:أي الاستعانة بالقرابين في الدين أو طلبات الأسياد في السحر،و إن كان الأهم في السحر هو الاستعانة بالممثل( أو الدوبلير) البديل عن الشئ المرعب من أجل القضاء عليه بمجرد امتلاك صورته أو جزء منه أو” أثره” أو شبهه، أو اسمه.

و بالاختصار: كل ما له علاقة لا سببية به ! و هذا هو أهم نقطة فارقة بين السحر و العلم و في الوقت نفسه نجد في الدين بعض هذا التصور، لاعتماده علي الرمزيات: فالشيطان مثلا يرمز إلي النفس الأمارة بالسوء أو العكس.

و لقد كانت كل هذه الممارسات متوفرة بقوة في جميع ديانات الطبيعة مثل عبادة النار أو الكواكب و حتي الوحوش و الحشرات؛ بهدف استرضائها أو استعدائها علي غيرها للتخلص منها نيابة عنا ،و لكن بعد تقديم القرابين المناسبة،و أولها الدم الذي يساوي دم الأعداء المطلوب سفكه! و ربما كان هذا هو سبب امتياز الدم بوصفه أقدس قربان ديني علي الإطلاق.

و الأخطر في السحر أنه يحاول تمثيل فعل الخلق الإلهي الذي يتلخص في فعل الأمر كن و باللغة اللاتينية و الإيطالية Fiat و هي كلمة السر الذي اختص الله بها نفسه في الكتب المقدسة،فقد تكرر ذكرها في العهد القديم (في سفر التكوين) و في القرآن الكريم للدلالة علي الوحدة الثلاثية : عقل الله و إرادته و قدرته,و ذلك في مقابل الإنسان الذي تنفصل فيه القوي الثلاث السابقة عن بعضها؛ فتوافر احداهما أو اثنتين لا يعني توافر الثالثة،ولقد جسدها الله بقوله” إنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون”(راجع: البقرة مثلا آية١٢٧).

و ظاهر أن الساحر يحاول أن يقلد كلمة الله الخالقة،و لكنه أيضا يستعينه هو نفسه أو بمن يمثله،أي الأرواح أو الشياطين و يبقي الهدف النهائي هو تحقيق المطلوب بغير المرور بكل الإجراءات التي يسير بها الله الكون ممثلة في قوانينه.

و بذلك يكون السحر فنا تماما مثل الدين بنظر بعض الباحثين،و لقد نظر القرآن إلي السحر بوصفه فنا،أي قدرة خاصة علي خداع البصر،و الدليل علي ذلك ورود كلمة “السحر بصيغة المصدر في القرآن(١٤) مرة كما أورد كلمة الساحر بصيغة الفاعل بالعدد نفسه و هذا يعني أن السحر- بنظر القرآن- هو الساحر، و ليس شيئا مستقلا عنه استقلال العلم عن العلماء مثلا و لكم أكدت الكتب المقدسة علي الخصومة بين السحر و العقل و الوحي.فقد كان السحرة دائما في مواجهة الأنبياء،كما أن الأمجاد الأرضية لا يمكن أن تكتسب بالسحر:

“ليس علي الأرض إنسان في وسعه تلبية أمر الملك،و لم يحدث قط أن ملكا عظيما ذا سلطان طلب هذا الأمر من مجوسي أو ساحر أو منجم.” دانيال(١٠:٢)

فأما الآلية الوحيدة لعمل السحر فتعتمد علي الاعتقاد بأن “السيطرة علي جزء من أجزاء المسحور تعني السيطرة عليه كله”، لذلك نجد اهتمام السحرة بالأثر و الصورة أو الشكل،أو الاسم…و كل شئ يتعلق بالمسحور،بناء علي هذا الاعتقاد الواهم،فضلا عن الإيمان الشخصي بالقدرة علي التأثير من بعد، و بالإيحاء النفسي لدي صاحب الرغبة و المصلحة فيه،و في القرآن الكريم نلاحظ إن اليهودي السامري- صانع العجل الذهبي ليدعو الناس لعبادته بدلا من إله موسي- يعترف بأنه قبض قبضة من أثرالملاك جبريل فيخلطها بالذهب المنصهر ليبث الروح في الإله الذهبي،(راجع:طه:الٱية ٩٦) أي أنه كان يعتقد ككل السحرة بتأثير الأثر،فلما كان جبريل هو الروح،فإن كل ما يلمسه يصبح روحا! و هنا أيضا نجد أهمية فكرة مس الشيطان.

و بصفة عامة فإن الروح تحضر بالمس أو بالاستدعاء بالاسم أو بالشبه،اعتقادا بأن الشئ يتعلق بأشباهه،و أن الشبيه يعرف بالشبيه! و لكن فكرة وحدة الاسم و المسمي ساعدت الآباء المسيحيين الأوائل في تفسير عقيدة تجسد الله في شخص المسيح،و في القرآن نجد المسيح كلمة الله و روح منه (راجع:النساء:الآية ١٧١ ) و الفارق هو أن الوحدة بينهما حقيقية في المسيحية و مجازية في الإسلام.

و برغم أن الحضارتين الفرعونية و البابلية (العراقية القديمة) هما أعظم حضارتين في التاريخ و خاصة المصرية فقد تجاور فيهما العلم و الدين و السحر إلي حد التعايش السلمي، و نتعجب كيف يمكن الجمع بين الأعداء الثلاثة في عقل واحد!و الحقيقة الصادمة هي أنهما ما زالتا أكبر مصدرين للسحر (مع مناطق عربية أخري أصبح لها الصدارة في العصر الحالي) .

كما كانتا أقدم أكبر مصادر الأديان في العالم.و لكن سلطة الملوك كانت تدعم هذا التعايش إذ كان الملك هو إما أكبر سحرة القبيلة أو راعيا لهم علي الأقل وفي الوقت نفسه رئيس الكهنة، أو هو أمير المؤمنين في عصور لاحقة،

و هو لا يستطيع أن يستغني عن العلم و خصوصا في صنع الأسلحة و الزراعة و أدوات الصيد و الطب الذي كان يخالطه السحر و بعض الشعوذة،و حاليا العلاج بالقرآن و السحر.

و لكن إذا كان منطق التاريخ يلزمنا بأن نعذر القدماء بالجهل بمنطق العلم بالأسباب الواقعية لحدوث الأشياء فكيف نعذر المثقفين المعاصرين في غشيانهم مواطن السحر و أمثاله؟.