• top-banner-1
  • top-banner-1
  • top-banner-1
الخميس 04 شوال 1438 الموافق 29 يونيو 2017
الرئيسية » مقالات » رأي » محمد المنسي قنديل| يكتب: العاصمة الإدارية.. نقطة الخطر

محمد المنسي قنديل| يكتب: العاصمة الإدارية.. نقطة الخطر

Advertisement

دعنا نربط الأشياء ببعضها.. الحكاية والوقائع

الحكاية ليست لي، ولكنها لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد، وهو يفتتح مؤتمر الحكومات في دبي التي لا تشبع من المؤتمرات، وكلها على جانب من الأهمية، كان يتحدث عن تجربته في الاستثمار في ليبيا أيام القذافي، كان العقيد رحمه الله يريد أن يعيد تأسيس تجربة دبي وسط صحراء ليبيا، يبني مدينة خضراء تكون مركزا ماليا واقتصاديا لكل إفريقيا، وخصص لذلك أرضا مناسبة وميزانية ضافية واستقدم المسئولين في دبي ليعطوه خبرتهم، وسارت المراحل الأولى للمشروع على ما يرام حتى جاءت مرحلة التنفيذ وبدأت البيروقراطية الليبية في فرض شروطها، المسئولون الحكوميون الذين يتظاهرون بحماية المال العام وهم لا يتوقفون عن نهبه، ويحرصون على تنفيذ القانون على غيرهم بينما يخرقونه ويطوعونه لمنفعتهم الشخصية، بدأت الصراعات والابتزاز بكل الأساليب، بدأ فساد الدولة العميقة يفرض شروطه، وعندما زاد الابتزاز عن حده توقف المشروع ولم تجد دبي بُدًّا من الانسحاب، ويختتم الشيخ حكايته قائلا: إذا أردت أن تقيم مشروعا مع هؤلاء البيروقراطيين، عليك أن تضع ميزانية قدرها 10 ملايين دولار، مليون دولار لتنفيذ المشروع وتسعة ملايين رشوة لهؤلاء المسئولين.

هذه الحكاية لم تحدث في مصر، ولكن في ليبيا أيام النظام الفاسد للقذافي، أعيدها فقط للتذكرة والتأكيد، ولأنني لم أستطع منع نفسي من تذكرها وأنا أسمع أخبار انسحاب الشركة الصينية التي كانت تتصدر عملية إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، ويبدو أنه لم يكن انسحابا سهلا، فقد استطاعت هذه الشركة أن تقوم بتوفير قرض طويل الأجل مع الحكومة الصينية مدته أربعون عاما ويشمل فترة سماح 10 سنوات قدره 20 مليار دولار من شركة “فورتشن للتطوير” وتم هذا في اجتماع بين رؤساء هذه الشركات والرئيس المصري.

بعد هذا كله أرغمت الشركة على الانسحاب، ولم يكن هذا هو الانسحاب الأول الذي شهده هذا المشروع سيئ الحظ، فقد أرغمت من قبله شركة العيار الإماراتية على الانسحاب، أقول أرغمت لأنه من المستحيل أن تنسحب شركة إنشاءات من مشروع بهذه الضخامة بمزاجها، خاصة وأن الاتفاق المبدئي على المشروع تم أمام رئيس الإمارات شخصيا.

(خبطتين في الرأس توجع) كما يقولون، ولكن المسئولين عن إدارة العاصمة لا يوجعهم شيء، وهم أيضا بارعون في ابتكار الحجج، عندما انسحبت الشركة الإماراتية قالوا إنها شركة مفلسة، تريد أن تنجز المشروع اعتمادا على قروض داخلية من البنوك المصرية، وسوف تسددها عندما تبيع منشآتها للمصريين، أي أنها لن تدخل عملة جديدة لمصر، عمليه أشبه بالنصب، تأخذ من الجيب اليمين لتدفع للجيب الشمال، لم ترد الشركة على هذه الاتهامات، ولم يعنها أن تسوء سمعتها في مصر، المهم أنها أفلتت بجلدها، قبلها انسحبت شركة إماراتية أخرى من مشروع إنشاء المليون وحدة سكنية دون أن نعرف الأسباب، ولن نعرفها. في بلد مثل مصر من المستحيل أن تعرف السبب الحقيقي وراء معظم الوقائع.

الشركة الصينية أيضا لم تعلن عن أسبابها، ربما أعلنتها بالصينية التي لا نعرفها، ولكننا قلنا إنها قد أعطت سعرا مرتفعا لإنشاء الحي الحكومي، بينما أعطت شركات المقاولات المصرية سعرا أقل لذلك فشل الاتفاق معها.

سبب أقل ما يقال عنه إنه هزيل، فالشركة التي جاءت محملة بضمانات من الحكومة الصينية، وبقرض ضخم بفترة سماح طويلة، تحول الأمر إلى مجرد تنافس عن السعر، وإذا كانت الشركة الإماراتية قد بدت نصابة فإن الصينية بدت مستغلة، ولم يتذكر أحد مصير القرض الصيني الذي وفرته لهذه الشركة، وهل ما زال موجودا أم لم يكن له وجود أصلا، وإذا كانت الشركات المصرية بهذه المهارة وهذا الثراء فلماذا كان السعي أصلا إلى إيجاد شركات أجنبية؟ هذه الشركات، الصينية والإماراتية، ليست مؤسسات خيرية، ولكنها شركات تسعى للربح، ولا تدخل في مشروع إلا بعد أن تضع دراسة جدوى لترى مدى استفادتها، فما الذي يدعوها للانسحاب من مشروع بهذه الضخامة، أما لأنها واجهت تحديات وعقبات لا قبل لهم بها، أو لأنها أدركت أن خسارته مؤكدة، وربما للسببين معًا.

ولكن إلى أي مدى كان دور المسئولين في الدولة العميقة عن هروب هذه الشركات، من المؤكد أن لهم صلة، فقضايا فساد الجهاز الإداري لا تتوقف، وكميات الرشاوى التي يتم ضبطها مؤخرا مهولة، وكميات النقود التي يتم الكشف عنها تفوق التصور، والغريب أن أسلوب الرشوة قد تنوع أيضا فأصبحت هناك رشاوى دينية كالحج والعمرة ورشاوى جنسية أيضا يطلبها كبار المسئولين في أجهزة عالية، لم يعد الفساد يتوقف عند أي مستوى، ولا أدري إلى أي مدى تسلل هذا الأمر إلى مشروع العاصمة الجديدة، ولكن هروب الشركات هو جرس إنذار هائل يجب أن ننتبه إليه جميعا وأن يكون هناك تحقيق دقيق يكشف السبب، ربما لم يكن هناك فساد، ربما اكتشفت الشركات فشل المشروع وأنه لن يغطي تكلفة الأموال الطائلة التي ستضخ فيه، وبذا يكون الأمر أكثر فداحة. لقد وجهت كثير من الانتقادات للعاصمة الإدارية الجديدة، فالأرقام التي نشرت عن المشروع تميل للمبالغة الشديدة، فهي أكبر من جزيرة سنغافورة، وهي ثلاثة أضعاف العاصمة واشنطن، وفيها مدينة ملاه تفوق ديزني لاند، وكذلك أكبر مسجد وأكبر كنيسة، كل هذا دون أن ندري إن كانت الميزانية متوفرة لإنجاز كل هذه المشاريع أم لا، وكيف يمكن أن يتواصل البناء بعد أن سحبت هذه الشركات عروضها المالية، من العبث القول إننا سنغطي تكلفة البناء من خلال بيع الأراضي للمواطنين، فهما كان العائد لا يمكن أن يوفر المبالغ اللازمة، وفي ظل الظروف الصعبة التي نعيشها لا يمكن للدولة أن توفر ميزانية مشروع لا يوجد له عائد مباشر، كما أن حلم نقل وزارات ومؤسسات الدولة إلى هذه العاصمة بعيد المنال، فمعظم موظفي الدولة من رقيقي الحال، إذا لم يكونوا فقراء، أولادهم في مدارس حكومية مجانية، من الصعب عليهم الانتقال إلى هذه العاصمة النائية أو شراء وحدات سكنية خاصة بهم أو إيجاد أماكن لأولادهم، فكيف يمكن أن ننقل حوالي أكثر من 3 ملايين موظف في الحكومة المركزية ومعهم أسرهم، يمكن أن يزيد العدد إلى 15 مليونا إلى هذا المكان النائي دون توفير مواصلات عامة، قطار أو مترو، ونفس المشكلة تواجه 3 ملايين مواطن يتوجهون إلى القاهرة يوميا لقضاء أمورهم مع المصالح الحكومية، ولكن هذه المشكلة هي ليست بالطبع سبب هروب الشركتين، إنها مشكلة أخرى أكبر وأخطر هو الفساد الذي يمكن أن يقضي على مستقبل هذا المشروع الذي كان طموحا.

 

المصدر 

Advertisement