الخميس 07 ربيع الأول 1440 الموافق 15 نوفمبر 2018
الرئيسية » مقالات » مقالات القراء » محمود مطر| يكتب: أوهام الفلاسفة في المدينة الفاضلة

محمود مطر| يكتب: أوهام الفلاسفة في المدينة الفاضلة

محمود مطر

محمود مطر

كنا نجلس كعادتنا بعد انتهاء العمل علي المقهي وكان صديقي يخبرني أنه يريد أن يعيش في المدينة الفاضلة وأنه يحلم دائما بالمدينة الفاضلة حيث السعادة والحب حيث كل شئ رائع وجميل لا مكان للكراهية والأذي فقط مدينة فاضلة تجمع كل الصفات الحميدة ولا تسمح بأي صفات أخري ولكنه عاد وقال لي إنها أحلام ربما تتحقق وربما لا من هنا كانت فكرة المقال وجدت نفسي أبحث وكلما حصلت علي معلومة أجد شئ غريب وكأنه شئ مثير للاهتمام فكثير من الفلاسفة كتبوا عن فكرة المدينة الفاضلة وكان أولهم أفلاطون ثم الفارابي ثم ابن خلدون وأخرون وكلا منهم عرف المدينة الفاضلة حسب أرائه ومعتقداته لذلك في هذا المقال أبحر بكم في مركب شراعه العلم وأمواجه الأفكار المختلفة .

في البداية لابد لك أن تعي وتعلم جيدا أن مصطلح المدينة الفاضلة هو حلم لا يتحقق بل إن كل المحاولات للبحث عن عالم مثالي باءت بالفشل ويرجع ذلك لأسباب كثيرة منها عدم واقعية الأفكار التي تطرح في المدينة الفاضلة أو رفض بعض الناس فكرة الإصلاح أو بعض المبادئ التي تخالف الفطرة الانسانية خصوصا التي جاءت في كتاب أفلاطون ( محاورة الجمهورية ) لذلك فشل مفهوم المدينة الفاضلة عند أفلاطون وأنطفات الفكرة تقريبا حتي جاء ابو محمد نصر الفارابي في القرن العاشر الميلادي وجدد الفكرة وكتب عنها كتاب سماه ( أراء المدينة الفاضلة ) وكتب صورة سياسية صحيحة للمدينة الفاضلة وأعاد صياغة بعض أفكار أفلاطون إلا انه ترك الأفكار الخاطئة فجسد فكرة مدينة فاضلة مثالية نقية إلا أنها صعبة التنفيذ كالعادة لكن الفارابي لم تكن مدينته التي حلم بها بها مبالغة في الخيال مثل الفلاسفة الأخرين لأنها لم تكن تكن تقع في عالم أخر او جزر استوائية نائية وقد حدد الفارابي أيضا بعض أشكال المدن وقام بتقسيمها مثل المدينة الجاهلة وهي التي لم يعرف أهلها السعادة قط والمدينة الفاسقة وهي التي تعلم كل ما يعلمه أهل المدينة الفاضلة ولكن تكون أفعالها أفعال أهل المدن الجاهلة والمدينة المتبدلة وهي التي تكون آراؤها في القديم آراء أهل المدينة الفاضلة وأفعالها غير أنها تبدلت وأخيراً المدينة الضالة وهي التي تظن السعادة ولكنها غير ذلك.

وأخر من كتب عن المدينة الفاضلة هو الكاتب البريطاني توماس مور حينما كتب قصة يوتوبيا عام 1516 وهي قصة فلسفية خيالية تتسم بالطابع السياسي وهي تروي التقاليد السياسية والاجتماعية والدينية لجزيرة معزولة وغير معروفة بالمرة ومعني يوتوبيا او أوتوبيا كلمة يونانية تعني (لا مكان ) أي اننا حتي الأن ندور في نفس الدائرة المغلقة وهي استحالة وجود المدينة الفاضلة فمنذ أفلاطون حتي توماس مور كانت المدينة الفاضلة مجرد اوهام للفلاسفة فجميعهم اتفقوا علي انها مكان خيالي غير موجود في حياتنا أصلا وهي وهم لأن الكاتب أو الفيلسوف يتخيل حياة مثالية لاجود لها يتخيل مجتمع يوجود به كل أسباب الراحة والسعادة لكل البشر وهذا غير موجود بالفعل نظرا للطبيعة البشرية .

أخيرا يا صديقي لابد لك أن تعلم أن وهم أفلاطون ومن بعده في المدينة الفاضلة لن يتحقق علي أرض الواقع وليس هذا بغريب بل هي سنة الخالق في خلقه لقد خلق الله أدم لعبادته وامهل الشيطان إلي يوم القيامة وهبط الجميع إلي الارض بعضهم لبعض عدو فالخير والشر والأخلاق الحميدة والبغيضة سيظلوا موجودين لذلك لا مكان للمدينة الفاضلة التي حلمبها أفلاطون أو الفارابي او ابن خلدون او توماس مور فهو موهوم أضاع عمره في كلام لن يتحقق ولا يصدقه عقل ..